قصة عبدالغفورمع شيخ الغفر الظالم

تحكي القصة عن قريةٍ ينهشها ظلم شيخ غفرٍ قاسٍ، حتى يُقتل سعد، شقيق عبدالغفور، ظلمًا بلا محاسبة. يتكسّر الصمت داخل عبدالغفور، ويبدأ مع ثلاثة من رجال القرية نواة مقاومة صغيرة، سرعان ما تكبر بعد استيلائهم على شحنة أسلحة كانت ستقوّي سلطة الشيخ. يتصاعد الغضب الشعبي، وتندلع مواجهةٌ حاسمة يقتحم فيها رجال القرية بيت الشيخ ويقضون على حكمه. وبعد سقوط الطاغية، يختار أهل القرية قائدًا عادلًا، وتبدأ القرية عهدًا جديدًا من الحرية بعد سنوات طويلة من القهر.

قصص طويلة

واحة الحكايات والقصص

في زمنٍ قديم، كانت هناك قرية فقيرة يعيش أهلها تحت حكم شيخ غفر ظالم، يفرض سلطته بالسلاح والرجال، ويجعل الخوف قانوناً لا يُناقَش. لم يكن أحدٌ يجرؤ على رفع صوته أمامه، فقد اعتاد الناس أن يعيشوا بين الخوف والجوع، وأن يصمتو إذا رأوا الظلم، لأن من يتكلم يُعاقَب.

في هذه القرية عاش رجل بسيط اسمه عبدالغفور. كان يعمل في أرض صغيرة ورثها عن أبيه، ويقضي يومه بين الحقل والبيت. لم يكن غنياً ولا صاحب قوة، لكنه كان صاحب قلب صادق، يكره الظلم، ولا يحب السكوت عن الحق ولو كان وحده.

كان عبدالغفور يعيش مع أخيه الأصغر سعد، شاب طيب يحب الحياة. وفي يومٍ شديد الحرارة، خرج سعد ليقضي حاجة لأهل البيت، فاعترضه رجال شيخ الغفر في الطريق. حدث شجار بسيط بينهم، ثم تحوّل الشجار إلى كارثة: أحد رجال الشيخ رفع سلاحه في لحظة تهور، فسقط سعد قتيلاً في الطريق، بلا ذنب، وبلا محاسبة.

وصل الخبر إلى عبدالغفور، فانهار من الصدمة، لكنه لم يصرخ ولم يهاجم أحداً؛ حمل أخاه بيديه، ودفنه، ثم قرر أن يشكو إلى إمام المسجد، لعل الرجل يقف معه، أو يتكلم بكلمة حق أمام الطاغية.

دخل عبدالغفور المسجد ، ووقف أمام الإمام، وروى له ما حدث. كان ينتظر كلمة عادلة، أو نصرة للمظلوم، لكن الإمام قال ببرود غريب: يا عبدالغفور، صلاتك لا تصح حتى تغتسل من دم أخيك. أما القاتل، فالله أعلم بما في قلبه، وليس لنا أن نواجه الشيخ الآن.

خرج عبدالغفور من المسجد وهو يشعر أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهه. الإمام خذله، والناس في الشوارع ينظرون إليه بعين الخوف. بعضهم خاف أن يتكلم معه، وبعضهم تجنّب النظر إليه خشية الشبهات. كانت القرية كلها تشبه جسداً مريضاً: البعض خائف، البعض جائع، البعض مطحون، والبعض باع نفسه للظالم وأصبح عوناً له.

وقف عبدالغفور في منتصف الطريق، ينظر إلى السماء، ويقول في نفسه: كيف صار الظلم هو الحاكم؟ كيف يموت أخي بلا ذنب، ولا يجد كلمة حق من إمام أو شيخ أو رجل؟

منذ تلك اللحظة، عرف أن حياته لن تعود كما كانت. وعرف أيضاً أن الصمت لن يعيد حق أخيه، وأنه مهما كان الطريق صعباً، فهو لن يترك دم سعد يضيع هكذا.

وهكذا بدأت حكاية رجل واحد، في قرية فقدت العدل، يحاول أن يتمسك بالحق ولو وقف وحده أمام العالم كله.

في تلك الليلة، عاد عبدالغفور إلى بيته متعبًا مكسور القلب، لكنه لم يستطع النوم. كان جسده مرهقًا، لكن عقله مشتعل. جلس في فناء داره الصغير، ينظر إلى الأرض، ويتذكر وجه أخيه سعد، وصوت الإمام البارد، ونظرات الناس الخائفة.

قال في نفسه بصوتٍ خافت: لو سكتُّ اليوم، سيسكت غيري غدًا… وسيبقى الدم يجري في طرقات القرية دون أن يسأل أحد عنه.

وبينما هو غارق في أفكاره، سمع طرقًا خفيفًا على بابه. نهض ببطء، وفتح الباب… فوجد أمامه ثلاثة رجال من أهل القرية؛ رجال يعرفهم منذ سنوات طويلة: سالم الحطّاب، وعمرو الفوّال، ورشيد السقّاء.

كان الثلاثة يقفون بوجوهٍ متوترة، كأنهم أتوا إلى سر خطير.

قال سالم بصوت منخفض: يا عبدالغفور… سمعنا بما جرى لأخيك. والله إن الظلم زاد، والناس لم تعد تحتمل. جئنا إليك لنتحدث… بعيدًا عن عيون رجال الشيخ.

دخلوا جميعًا إلى داخل الدار، وأغلق عبدالغفور الباب بإحكام. جلسوا حول مصباح صغير، تحته ظلّ متراقص، وكأن الضوء نفسه يخشى أن يسمعهم.

بدأ عمرو الكلام: نحن نعلم أنك رجل لا تخاف الحق… ونرى أن غضبك ليس غضبًا لنفسك فقط، بل غضب على ما وصلنا إليه.

أضاف رشيد وهو ينظر حوله بحذر شديد: يا عبدالغفور… الظلم انتشر في القرية، وكل يوم يزداد. رجال الشيخ يأخذون المحاصيل، يضربون الناس، ويعتدون على من يعترض. نحن لم نعد نحتمل. ونعلم أنك أول من يقف إذا وقف الرجال.

سكت عبدالغفور قليلاً، ثم قال بوضوح:وماذا تريدون مني؟

قال سالم: نريد أن نبدأ… بداية صغيرة فقط. نريد مجموعة رجال تصون أهل القرية، تمنع بطش رجال الشيخ. لا نقول نحارب، ولكن نقف… نثبت للناس أن الظلم ليس قدَرًا.

كان الكلام خطيرًا، ولو سمع به أحد، لكان مصير الجميع الهلاك. لكن تلك الليلة كانت مختلفة. ربما لأن دم سعد لم يجف بعد. وربما لأن الخوف وصل حدّه.

تنهد عبدالغفور وقال: إن وقفنا، يجب أن نقف بصدق. فالأمر ليس لعبًا. وإن تحركنا، فلن نرجع.

هز الرجال رؤوسهم، وكلٌّ منهم يحمل في عينيه قرارًا صامتًا.

قال عمرو: نحن أربعة الآن… وغدًا نزيد واحدًا… وبعد غدٍ ثلاثة… المهم أن نبدأ.

نظر عبدالغفور إليهم، ثم قال بثبات: إذن نبدأ. غدًا نلتقي في الحظيرة القديمة خلف بئر القرية. لا يأتي أحد بسلاح، ولا أحد يخبر غير رجل يثق به.

خرج الرجال واحدًا واحدًا بصمت، بينما وقف عبدالغفور في عتبة منزله يتابع خطواتهم وهي تختفي في الظلام.

مع أول خيط للفجر، خرج متخفّيًا، وعبر الأزقّة بحذر، حتى وصل إلى الحظيرة القديمة خلف بئر القرية؛ مكان مهجور، لا يدخله أحد منذ سنوات.

حين دخل، وجد سالم وعمرو ورشيد قد سبقوه. كانوا يجلسون على أكوام القش، وكل واحدٍ منهم ينظر للباب بين الحين والآخر، كأن الخوف يطاردهم.

قال عبدالغفور وهو يجلس بينهم: اليوم نبدأ… نعرف بعضنا، ونخطو أول خطوة. من يدخل معنا لن يتراجع.

هزّ الرجال رؤوسهم، وأصواتهم امتزجت بالعزم والتردد معًا.

وبينما هم يتحدثون، سُمع صوت خطوات تقترب من الخارج. توقف الكلام، وتوترت الوجوه، واتجهت الأنظار نحو الباب.
فتح الباب ببطء… ودخل رجل لم يكن أحدٌ منهم قد دعاه.

كان رجلاً طويل القامة، يلبس عباءة قديمة، ووجهه نصفه في الظل بسبب أضواء الصباح. نظر إليهم نظرة فاحصة، ثم قال:بحثت عنكم كثيرًا… وها أنا أجدكم.

وقف سالم غاضبًا وقال: من أنت؟ ومن أذِن لك بالدخول؟

رفع الرجل يده كأنه يريد تهدئتهم، ثم قال: اسمي مسعود النجار… ولستُ جاسوسًا إن كان هذا ما يدور في رؤوسكم.

تبادل الرجال نظرات سريعة، فكل واحد منهم يعرف مسعود: نجار القرية القديم، الرجل الذي خسر ابنه قبل سنتين على يد رجال الشيخ عندما رفض أن يدفع لهم ما طلبوه.

تقدم عبدالغفور خطوة نحوه وقال: لم نخبرك بهذا الاجتماع… فمن أخبرك؟

ابتسم مسعود بمرارة: القرية كلّها تتكلم بصمت. عندما يموت مظلوم، تتحرك الألسنة حتى لو كانت خائفة.

ثم جلس على صخرة صغيرة وقال بصوت منخفض: جئتكم بخبر… خبر قد يغيّر كل شيء إن عرفتم كيف تستخدمونه.

اقترب الرجال، وصمت المكان، وكأن الجدران نفسها تميل لتسمع.

قال مسعود: رجال الشيخ سينقلون شحنة أسلحة الليلة… من المخزن القريب من التل. والشيخ نفسه سيخرج في الصباح ليشرف على توزيعها. وإن وقعت هذه الأسلحة في يد رجاله… فلن يوقفه أحد بعد اليوم.

تجمدت الوجوه، وشعر عبدالغفور أن الأرض تهتز تحت قدميه.
ثم قال: كيف عرفت هذا؟

قال مسعود: كنت أصلح بابًا في بيت أحد رجاله… وسمعتهم يتحدثون. لم يروني، لكني سمعت كل شيء.

عمّ الصمت الحظيرة لثوانٍ طويلة. كان الخبر مثل نار اشتعلت في قشٍ جاف.

قال رشيد مضطربًا: يعني… لو أخذوا السلاح… انتهت القرية.

قال سالم: ولو أوقفناهم… نبدأ المعركة قبل أن نكون مستعدين.

أما عبدالغفور، فقد وقف بين الرجال، ينظر إلى ثلاثة يعرفهم، ورجل رابع انضم إليهم الآن، وقال: هذا هو الامتحان الأول… إما أن نقف، أو نتركهم يزدادون قوة.
لكن القرار… يجب أن يكون منّا جميعًا.

لم تمضِ ساعة بعد اجتماع الحظيرة حتى كانوا قد رسموا الخطة.
كان الخبر خطيرًا، ولكن الثغرة التي اكتشفها مسعود كانت أوضح من أن تُهمل: قافلة السلاح تمر دائمًا من الطريق الضيّق بين التل والصخرة الكبيرة؛ مكان لا يستطيع رجال الشيخ الانتشار فيه أو استخدام عدد كبير من الرجال. نقطة ضعف لا تخطئها عين.

قال عبدالغفور: لو سيطرنا على هذا الممر… انتهى الأمر.

ووافق الجميع.

حلّ الظلام، والقرية غارقة في صمت ثقيل. خرج عبدالغفور ورجاله الخمسة فقط، بلا ضجة، بلا كلام كثير. حملوا عصيًا غليظة وحبالًا، ولم يحمل أحد منهم سلاحًا ناريًا… فهم يعرفون جيدًا أنهم لو أطلقوا رصاصة واحدة، ستشتعل القرية كلها.

وصلوا إلى الطريق الضيّق، واختبؤوا خلف الصخور.
بعد وقت ليس بالطويل، سمعوا وقع خطوات على الأرض… ثم أصواتًا خافتة… ثم ظهرت القافلة: ثلاثة رجال من رجال الشيخ، واثنان من العبيد يحملون صناديق ثقيلة.

اقتربت القافلة من الممر، وهنا أشار عبدالغفور بيده إشارة صغيرة.

اندفع الرجال كأنهم سهم واحد.
سالم رمى الحبل على قائد القافلة فأسقطه أرضًا.
مسعود ضرب الثاني على يده فسقط السلاح.
عمرو دفع الثالث نحو الصخرة، فأغمي عليه.
أما عبدالغفور نفسه، فانقضّ على الصندوق الأكبر وحمله بعيدًا عن متناول أيديهم.

كانت العملية أسرع حتى من أن يصرخ أحد.
خلال لحظات، كانت القافلة كلها على الأرض… بلا قتيل… بلا صوت…
والسلاح في يد الرجال الخمسة.

قال مسعود وهو يلهث: لم يصدقوا ما حدث… ولا أنا.

ابتسم عبدالغفور لأول مرة منذ موت سعد وقال: هذه أول خطوة يا رجال… أول خطوة فقط.

وفي الصباح انتشر الخبر في القرية كالنار في الهشيم.
لم يكن أحد يعرف من فعل ذلك.
رجال الشيخ اتهموا بعضهم، والشيخ نفسه استشاط غضبًا، وضرب رجاله، وأمرهم بالبحث في كل بيت، وفي كل زقاق.

خرج إلى أهل القرية صارخًا: من يخبئ السلاح… سأحرق بيته!

لكن شيئًا جديدًا كان يحدث…
هذه المرة، لم ينظر الناس إلى الأرض كالعادة.
كانت العيون تتلاقى… كان الهمس يرتفع… كانت القلوب تنبض بقوة.

بدأ الناس يقولون: هناك من وقف… هناك من لم يخَف، إن كان واحد تجرّأ، فكلنا نستطيع.

وبينما رجال الشيخ يفتشون البيوت، كان عبدالغفور ورجاله يوزعون السلاح سرًا على رجال مختارين من القرية… رجال يعرفون أنهم لا يبيعون ولا يخونون.

وفي أسبوع واحد فقط…
تحولت المجموعة الصغيرة من أربعة رجال… إلى أكثر من ثلاثين رجلًا.
رجال فقراء… لكنهـم حقيقيون.

كانت القرية تستعيد روحًا ضاعت سنوات.
كان الخوف يتراجع خطوة وراء خطوة.
وكان اسم عبدالغفور يقال في السر… ثم في العلن… ثم بصوت فخور: عبدالغفور… صاحب الحق… ورافع رأس القرية.

أما شيخ الغفر… فكان يخطط للانتقام، ويقسم أن يقبض على من فعل هذا، ولو قلب القرية فوق أهلها.

وهكذا… بدأ فصل جديد من الصراع.

وفي صباح يومٍ كان السوق مزدحمًا كالعادة.
وفي منتصف الضجيج، ظهرت زمرة من رجال شيخ الغفر، يتقدمهم الرجل الضخم المعروف ببطشه: غريب الساقي، ذراع الشيخ اليمنى.

كان يحمل سوطًا طويلًا، ووجهه متجهمًا، وعلى جانبيه أربعة مسلحين.

دخل السوق وبدأ يصرخ: أين الخطّاط الذي يكتب رسائل ضد الشيخ؟! من يعرفه فليتقدم!

كان هذا الاتهام مجرد ذريعة.
الغرض الحقيقي هو تخويف الناس بعد ما جرى في ليلة السلاح.

اقترب غريب من امرأة عجوز تبيع البصل، وضرب صندوقها برجله حتى تناثرت الثمار على الأرض.
صرخت المرأة، بينما وقف الناس صامتين، لا يتحركون.

قال غريب بصوت خشن: أنتم جميعًا تعرفون من سرق السلاح، وتخفونه! من يتكلم، أنقذه… ومن يسكت… في النار معه!

أمسك بذراع شابٍ صغير كان يبيع الخبز، وقال له: أنت! قل لي من يقودكم وإلا قطعت يدك الآن!

ساد الصمت.
لكن فجأة…
اندفع حجر صغير من إحدى الدكاكين، وأصاب يد غريب.

استدار غاضبًا، يصرخ:من فعلها؟!

وتحرك الناس متوترين، كأن انفجارًا على وشك الحدوث.

ثم، وقبل أن يتحرك أحد…
ظهر عبدالغفور.

كان يقف على مدخل السوق، بثوبه البسيط، ووجهه المرهق، وعيونه المشتعلة.
لم يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكنه بدا أكبر من كل السيوف.

قال بصوت واضح: أنا فعلتها يا غريب.

تجمّدت السوق.
حتى الهواء توقف.

مشى غريب نحوه، والشر يخرج من عينيه: أخيرًا ظهرت يا ابن السوق… كنت أبحث عنك منذ أسبوع.

لكن عبدالغفور لم يتحرك.
وبصوت منخفض لكنه قوي قال: كفاكم ظلمًا للناس… هذه القرية ليست ميدانًا لضربكم.

ضحك غريب ضحكة قصيرة، ثم رفع السوط، واندفع ليضرب عبدالغفور.

وقبل أن يصل السوط، خرج رجلان من بين الدكاكين: سالم وعمرو.
أمسكا ذراع غريب من الجانبين، ثم نزع رشيد السوط من يده بحركة واحدة.

صرخ غريب: ستدفعون حياتكم ثمنًا لهذا!

لكن السكان بدأوا يتحركون لأول مرة…
اقترب الرجال، والنساء، وحتى الأطفال.
كان الغضب يسري فيهم مثل نار لا يمكن إخمادها.

صرخ أحد الشيوخ: لن تلمسوا أحدًا بعد اليوم!

وحين رأى رجال الشيخ أن السوق كله ينتفض، تراجعوا خطوة… ثم خطوتين…
ثم انسحبوا تحت نظرات الناس التي لم تعد خائفة.

وقف عبدالغفور في منتصف السوق، يتنفس بصعوبة، والناس تقترب منه.

امرأة مسنّة قالت بصوت مرتجف: رفع الله قدرك يا ولدي… لأول مرة نشعر أن لنا ظهرًا.

وقال رجل آخر: من اليوم… نحن معك.

تتابعت الأصوات…
تنهار الأسوار التي بنتها سنوات من الظلم، وترتفع أصوات لم تكن تجرؤ أن تنطق يومًا: معك يا عبدالغفور!
لن نسكت بعد اليوم!

وفي أعالي السوق، وقف طفل صغير يحمل حجرًا، يهتف بصوت واضح: الحق… مع عبدالغفور!

وفي تلك اللحظة…
عرف الجميع أن شيئًا لن يعود كما كان.

أما شيخ الغفر، فقد وصله الخبر خلال ساعة، فصار وجهه أحمر كالجمرة، وسأل بصوت هائج: عبدالغفور… وقف في السوق؟ أمام الناس؟!

فقال غريب وهو يضغط على يده المصابة: نعم… وقد خسرنا السوق كلها.

أغمض الشيخ عينيه، ثم قال: إذن يبدأ الدم… اليوم.

كانت حملة الاعتقالات التي أطلقها شيخ الغفر أشبه بالعاصفة التي تهبّ على أرض عطشى؛ كلُّ بيت في القرية شعر بظلّها الثقيل. جنوده يجوبون الأزقّة، يفتّشون، يهدّدون، ويقتادون كلَّ من يُظَنُّ أنّه رفع رأسه يومًا في وجه الظلم.
لكنّ ما لم يفهمه الشيخ هو أنّ الخوف إذا بالغ في السّحق، انقلب غضبًا.

في تلك الأيّام العاصبة، كان عبدالغفور يختبئ مع مجموعته في مخزن حنطة مهجور عند طرف القرية. يراقب من بعيد ما يفعله الشيخ، ويرى الوجوه التي كانت تنحني صارت الآن تنظر خلفها بحذر، ثم ترفع بصرها إلى السماء كأنّها تطلب إذنًا بأن تثور.
لقد صار الظلم مكشوفًا، ومَن اعتُقلوا كانوا من أفضل رجال القرية: شجعان، فقراء، لا ذنب لهم إلا أنّهم تمنّوا العدل.

في تلك الليلة، جمع عبدالغفور رجاله، وتحدّث بصوت منخفض لكنّه ثابت: الناس تشتعل من الداخل… خوفهم صار نارًا. إن تركناهم وحدهم انطفأوا، وإن تقدّمنا أمامهم اشتعلوا.
هزّ الرجال رؤوسهم… كانوا يعرفون أنّ اللحظة اقتربت.

ومع اشتداد القبضة الحديديّة للشيخ، ازداد عدد الذين يلتحقون بعبدالغفور.
لم يعودوا أفرادًا متخفّين… صاروا جماعةً لها ملامح، ولها هدف، ولها نار في القلب لا تُطفَأ.
رجالٌ فقدوا أبناءهم، وآباءٌ فقدوا أرزاقهم، وشبابٌ سُحقت كرامتهم… كلُّهم جاءوا لأنّهم آمنوا أنّ ساعة الحساب اقتربت.

عند الفجر، رسم عبدالغفور خطّته الأخيرة.
قال لهم: سنهاجم بيت الشيخ الليلة. لن ننتظر أن يقتل من بقي منّا. إذا سقط الشيخ، سقط الخوف معه.

بدأت الخطة كهمسٍ ينتشر بين البيوت…
الرجال يُخفون السلاح في نعالهم، والنساء تُمرّر الأخبار في جرار الماء، والعيون التي كانت تخشى النظر صارت تلمع بانتظار اللحظة.
القرية كلّها وقفت بين الحياة والموت، وبين الصبر والانفجار.

وحين غربت الشمس، كان رجال عبدالغفور قد التفّوا حول منزل الشيخ، يحملون السلاح الذي استولَوا عليه من القافلة.
تقدّم عبدالغفور خطوة واحدة، وقال: الظلم الذي عاش في هذه القرية طويلاً… الليلة ينتهي.

ثم اندفعوا كالريح.

لمّا هجم رجال عبدالغفور على منزل شيخ الغفر، لم يكن الليل ساكنًا كما اعتاد؛ كان كأنّه يحبس أنفاسه انتظارًا للحظة فاصلة.
تحرّك الرجال بين ظلال الجدران، يقتربون من البيت الطينيّ الكبير الذي طالما خرجت منه الأوامر القاسية والدموع.

أوّل من اقتحم الباب كان شابًا من أبناء القرية، ما زال في صدره غضب على أخٍ فقده منذ شهرين.
صرخ صرخة اخترقت السكون: اليوم يومكم… لن نرجع!

اندفعت المجموعة كلّها بعده.
رجال الشيخ حاولوا الوقوف في وجههم، لكنّ العدل حين يستيقظ يكون أشبه بطوفان؛ لا يوقفه جدار ولا بوابة.
تلاحمت السيوف والعصيّ، وارتفع الغبار في أرجاء الدار، وسمع الناس من بعيد صوت الحديد وهو يضرب الحديد.

سقط رجال من أهل الحقّ شهداء…
شاب كان يحمل حلمًا لم يكتمل، ورجل عجوز خرج ليقاتل كأنّه يعود عشرين عامًا إلى الوراء، وآخر ترك خلفه زوجة حبلى تنتظر مولودًا لم يره.
لكنّ كلَّ قطرة دم سالت زادت النار اشتعالًا في قلوب من بقي.

استمرّت المعركة دقائق قصيرة في الزمن، طويلة في الروح.
وحين وصل عبدالغفور إلى داخل الدار، وجد شيخ الغفر محاصرًا بين رفاقه القلائل.
لم يقل الشيخ كلمة واحدة… كان يدرك أنّ حكمه انتهى.
وما هي إلا لحظة حتى سقط وقُتل وانتهى عهدُه كما يسقط الغصن اليابس حين تهبّ الريح.

عند الفجر، كانت القرية قد استيقظت على صوتٍ جديد…
صوت الحرية.

خرج الناس من بيوتهم بوجوه مُثقلة بالدموع، لكنّها مرفوعة لأول مرة منذ سنين.
حملوا شهداءهم على الأكتاف، ودفنوهم في موكب مهيب، ثم اجتمعوا في الساحة الكبيرة ليقرروا مصير القرية.

وقف أحد كبار السنّ وقال بصوت جهوري: لا بدّ للقرية من قائد… رجل يحكم بالعدل ويرأف بالضعيف.

ارتفعت الأصوات تنادي باسم عبدالغفور.
لكنّه تقدّم بينهم، وقد بدا عليه الحزن أكثر من الفرح، وقال:
"يا أهل قريتي… أنا رجل بسيط. قاتلت من أجل الحقّ، لا من أجل الحكم.
ابحثوا عمّن هو أكفأ منّي، رجل يزن الأمور بعقلٍ راجح وقلبٍ عادل."

سكتت الساحة، ثم اتجهت الأنظار إلى رجل حكيم عرفه الجميع بالصدق والخبرة.
اختاروه بالإجماع، وتقدّم يضع يده على المصحف، وقال: أعدكم أن يكون العدل أساس الحكم.

وفي ذلك اليوم، دخلت القرية عهدًا جديدًا.
اختفى الخوف من الأزقّة، وعاد الأطفال يلعبون في الطرقات، وصار الليل آمنًا، والنهار ممتلئًا بالعمل.
وضع الناس أحمالهم، وشكروا الله على أن جعل من بينهم رجالًا وقفوا في ساعة الشدّة، وفتحوا بابًا للسلام لم يُغلق بعد ذلك.

وانتهى عهد الظلم… وبدأ عهد العدل.

لمشاهدة القصة على اليوتيوب