قصة التاجر عبد الله والدرويش والكنز العجيب
تروي القصة حكاية عبد الله، تاجرٍ من بغداد أنفق ماله في اللهو حتى أفلس، ثم عاد للعمل فالتقى بدرويشٍ دله على كنزٍ عظيم. قاسمه الدرويش الكنز بالعدل، لكن الطمع سيطر على عبد الله، فعاد يطلب منه المزيد من الجمال المحمّلة بالنفائس حتى أخذها كلها، ثم طمع في صندوقٍ سحري كان مع الدرويش. وعندما طلب أن يُدهَنَت له كلتا عينيه بمرهمٍ يُظهر كنوز الأرض، عَمِيَ بصره عقابًا لطمعه، فتركه الدرويش وذهب بما معه، حتى هلك عبد الله في الصحراء.
قصص طويلة
واحة الحكايات والقصص


كان عبد الله، بعد أن مات أبوه وأمه، تاجرًا غنيًا جدًا. وكان يعيش في مدينة بغداد في زمن الخليفة هارون الرشيد. وكان قد ورث من أبيه أموالًا كثيرة، ولكن عبد الله لم يلتفت إلى تجارته، فكان يهملها ويصرف المال بلا حساب. فلم يمضِ عليه زمنٌ قليل حتى أضاع ثروته، ولم يبقَ عنده من ماله إلا القليل.
ورأى أنه إذا استمر على ذلك الإسراف أضاع ما بقي من ثروته، فترك البطالة ونشط إلى العمل. اشترى بما بقي من ماله ثمانين جملًا، وصار يحمل عليها بضائع التجار وينقلها من بلد إلى بلد، فكسب بذلك مالًا كثيرًا.
وفي يومٍ من الأيام، كانت جماله سائرة في الطريق تحمل بضائع من بغداد إلى البصرة. فلما وصل إلى البصرة، سلّم البضائع إلى أصحابها، ثم سار بجماله الثمانين راجعًا إلى بغداد. وبينما كان عائدًا، وجد في طريقه مكانًا طيبًا، وكان قد تعب، فجلس في ذلك المكان ليستريح بعد أن أناخ جماله في مرعى قريبٍ منه.
وبعد قليل من الزمن، رأى درويشًا مقبلًا عليه. فلما جاء الدرويش، سلّم على عبد الله، فردّ عليه السلام وسأله:
أين تذهب؟
فقال له الدرويش: أنا ذاهب إلى البصرة.
فقال له عبد الله: وأنا ذاهب إلى بغداد.
وجلسا يتحدثان. ولما جاء وقت الغداء، أكلا معًا. وبعد أن أكل الدرويش وعبد الله، قال الدرويش:
ــ لقد أكلنا معًا وأصبحنا الآن صديقين، وأنا أعرف كنزًا مملوءًا بالذهب والأحجار الكريمة، فهل تساعدني على حمل ما فيه من النفائس؟ وأعطيك على هذه المساعدة ما تطلبه من الأجر.
ففرح عبد الله فرحًا شديدًا حين سمع كلام الدرويش، وقال له وهو مدهوش: أحقًا ما تقول؟ أصحيح أنك تعرف هذا الكنز؟ وأين هو؟ وهل هو بعيد؟
فقال له الدرويش: تعالَ معي بجمالك، وأنا أفتح لك هذا الكنز.
فسار الدرويش وعبد الله مدة طويلة حتى وصلا إلى صخرة مستديرة في وسطها حلقة. فرفع هذه الصخرة، فوجد تحتها كنزًا مملوءًا بالذهب والألماس واللؤلؤ والياقوت والمرجان. فأخذا من هذا الكنز ما شاءا، ثم حملاه على الجمال. ورأى الدرويش صندوقًا صغيرًا من الخشب، فأخذه لنفسه، ثم خرج من الكنز ووضع عليه غطاءه كما كان، وسارا في الري حتى وصلا إلى المكان الذي التقيا فيه من قبل.
فقال الدرويش لصاحبه عبد الله: كم تريد أجرًا على عملك؟
فقال له عبد الله: أعطني ما تشاء.
فقال له الدرويش: سأقاسمك هذه الجمال بما عليها من النفائس، فأخذ منها أربعين وأعطيك أربعين.
ففرح عبد الله فرحًا شديدًا، وعانق الدرويش من شدة الفرح، وقبّل يده شاكرًا له هذا الكرم العظيم. وقبل أن يفترقا، سلّم الدرويش على صاحبه وودّعه، بعد أن أخذ كل واحد منهما أربعين جملًا محملة بالذهب واللؤلؤ والياقوت والمرجان. ثم سار الدرويش في طريقه إلى البصرة، وسار عبد الله في طريقه إلى بغداد.
ولكن عبد الله، بعد أن مشى خطوات قليلة، قال في نفسه: هذا الدرويش طيب القلب وكريم، ولو طلبت منه عشرة جمال أخرى، فلا أظنه يرد طلبي.
ثم أسرع إلى الدرويش ونادى بأعلى صوته: يا درويش، يا درويش!
فرجع إليه الدرويش وسأله: ماذا تريد؟
فقال له عبد الله: رجعت لأشكرك على كرمك ومعروفك، ولكني أشفقت عليك، لأنك لا تستطيع أن تقود أربعين جملًا. فلو أعطيتني عشرة منها، سهل عليك أن تسير وحدك بالثلاثين الباقية.
فتبسم الدرويش وقال له: اختر لك منها عشرة جمال، واذهب في أمان الله.
فاختار عبد الله عشرة جمال، وترك للدرويش الثلاثين الباقية. ثم سلّم عليه وعانقه وهو فرحان بما أخذ، وعاد بالجمال بعد أن ودّع الدرويش وشكره على كرمه العظيم.
ولكن عبد الله قال في نفسه بعد أن سار خطوات قليلة: إن هذا الدرويش رجل كريم طيب القلب، وقد أعطاني ما طلبت منه من غير تردد. ولو أنني طلبت منه عشرة جمال أخرى، فإنه لا يرد طلبي. فإذا أخذتها منه، أصبح عندي ستّون جملًا محملة بالنفائس، فأصير أغنى الناس.
ثم أسرع عبد الله إلى الدرويش، ونادى بأعلى صوته: يا درويش، يا درويش!
فرجع إليه الدرويش وقال له: ماذا تريد؟
فقال: أنا لا أزال أشفق عليك يا سيدي، لأنك لا تستطيع أن تسير وحدك بهذه الجمال الثلاثين. وأرى أنك إذا تركت لي عشرة جمال أخرى، سهل عليك أن تسير بالعشرين الباقية.
فقال له الدرويش: اختر لك عشرة جمال منها، وسِرْ على بركة الله.
فشكره عبد الله، واختار لنفسه عشرة جمال، ثم ودّعه ورجع فرحًا بهذه الغنيمة.
ثم قال عبد الله لنفسه وهو عائد: لقد أصبحت الآن أغنى الناس، وملكت ثروة عظيمة لا توجد في خزائن الملوك بفضل هذا الدرويش الكريم.
ولكن عبد الله لم يسر خطوات قليلة حتى قال في نفسه: ولكني إذا أخذت من الدرويش عشرة جمال ثالثة، صار عندي سبعون جملًا محملة بالنفائس، فلا بد لي أن أحتال على أخذها منه بأي وسيلة.
ثم أسرع يجري، ونادى بأعلى صوته: يا درويش، يا درويش!
فعاد إليه الدرويش وسأله: ماذا تريد؟
فقال له: أنا أرى أنك رجل زاهد لا تحتاج إلى المال، وأظن أن عشرة جمال محملة بالنفائس تغنيك طول حياتك. فإذا أعطيتني عشرة جمال أخرى، فلن أنسى فضلك ومعروفك طول عمري.
فتبسم الدرويش وقال له: خذ من الجمال ما تشاء.
فاختار عبد الله عشرة، وودّع صاحبه الدرويش، وقبّل يده وهو فرحان أشد الفرح.
ولكن عبد الله لم يسر في طريقه غير خطوات قليلة حتى قال في نفسه: إن هذا الدرويش رجل طيب القلب كريم جدًا، وهو على ذلك ضعيف لا يستطيع أن يقاومني. ولولا جمالي لما استطاع أن يحمل هذه النفائس من الكنز. فلا بد من أن أطلب منه الجمال العشرة الباقية، فإن لم يقبل أخذتها منه بالقوة، وإن أصر على عناده قتلته، وعدت بجمال الثمانين كلها إلى بغداد. فإذا أصبح عندي ثمانون جملًا محملة بهذه النفائس التي لا توجد في خزائن الملوك، صرت أغنى إنسان في الدنيا كلها.
ثم أسرع عبد الله إلى الدرويش، ونادى بأعلى صوته: يا درويش، يا درويش!
فرجع إليه الدرويش وسأله: ماذا تريد؟
فقال له: أنت رجل زاهد تعبد الله، وأنا أخشى عليك أن تشغلك هذه الثروة العظيمة عن عبادة الله. فلو أعطيتني الجمال العشرة الباقية، لكان ذلك خيرًا لك لتنصرف إلى العبادة وحدها.
فتبسم الدرويش وقال له: ها هي ذي الجمال العشرة الباقية، فخذها يا صاحبي وسِرْ على بركة الله.
ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا، وشكر الدرويش وعانقه، ثم ودّعه وأخذ الجمال الباقية.
ولم يمشِ عبد الله خطوات قليلة حتى قال في نفسه: لماذا رضي الدرويش أن يترك لي جماله كلها من غير تردد؟! لولا أن الصندوق الصغير الذي أخذه من الكنز أغلى قيمة من هذه النفائس كلها، ما قبل أن يكتفي به. وأنا لن أتركه له، ولا بد من الرجوع إليه وأخذ هذا الصندوق منه. فإذا لم يقبل أخذته منه بالقوة، فإن أصر على عناده قتلته وأخذته منه قهرًا.
ثم جرى مسرعًا إلى الدرويش، ونادى بأعلى صوته: يا درويش، يا درويش!
فرجع إليه الدرويش وسأله: ماذا تريد؟
فقال له: أنت أخذت صندوقًا صغيرًا من الكنز، فهل لك أن تتفضل عليّ فتعرّفني فائدة هذا الصندوق؟
فقال له الدرويش: هذا صندوق عجيب، فيه مرهم إذا دُهِنت به العين اليسرى أبصر صاحبها كنوز الأرض كلها، فإذا دُهِنت به العين اليمنى عميت عيناه جميعًا فلا يبصر شيئًا.
فقال عبد الله للدرويش: إنك رجل كريم، سألتك بالله يا سيدي أن تدهن لي عيني اليسرى لأرى صدق ما تقول.
فدهَن له الدرويش عينه اليسرى، فأبصر للحال كنوز الدنيا كلها بما فيها من الذهب والأحجار الكريمة وسائر النفائس. ففرح بذلك فرحًا شديدًا، ولكنه لم يقنع بكل ما وصل إليه من النعم العظيمة التي لم تكن تخطر له على بال.
وقال في نفسه: إذا كان من دُهِنت له عين واحدة يرى كنوز الأرض كلها، فما بال من دُهِنت له عيناه معًا؟ لا شك أن هذا الدرويش يخدعني ويبخل عليّ بدهن عيني اليمنى.
ثم قال للدرويش: بربك، ادهن لي عيني اليمنى أيضًا.
فحذره الدرويش عاقبة ذلك، فظن عبد الله أن الدرويش يكذب عليه، فألحّ في طلبه إلحاحًا شديدًا. وكلما زاده الدرويش نصحًا وتحذيرًا، ازداد عبد الله تشبثًا وإلحاحًا.
ولما رأى الدرويش أن عبد الله لا يصدقه، وأنه لم يقنع بكل ما وصل إليه من الثروة التي لم يصل إليها أحد، غضب وقال له: سترى الآن عاقبة طمعك!
ثم دهن له عينه اليمنى، فعميت عيناه جميعًا، فصرخ من شدة الألم وندم أشد الندم.
فتركه الدرويش، ورأى أنه لا يستحق شيئًا من الرحمة بعد ما أظهره من الشره والطمع. ثم ساق الدرويش الجمال الثمانين وسار بها إلى البصرة.
أما عبد الله، فلم يستطع الرجوع إلى بغداد، لأنه ضلّ الطريق بعد أن عميت عيناه. ورأى عبد الله أنه قد وصل إلى ثروة عظيمة لم تكن تخطر له على بال، ولكنه أضاعها ولم ينتفع بها لشرهه وطمعه. وأخذ يفكر ويتحسر على تلك الثروة التي حصل عليها ثم أضاعها بجهله وغفلته عن تدبر العواقب.
وبينما كان يفكر في هذه العاقبة السيئة التي جرّه إليها الطمع والشره، إذ بصر به سبعٌ في الطريق، فهجم عليه ذلك السبع وأكله، ولم يُبقِ منه شيئًا.
لمشاهدة القصة على اليوتيوب
